Advertisement

أخبار عاجلة
الرئيسية » اقلام حرة » المنبر الحر/ الأمتان العربية والإسلامية ومداعبة السراب

المنبر الحر/ الأمتان العربية والإسلامية ومداعبة السراب


Advertisement

المنبر الحر/ د عبد اللطيف سيفيا

بقية الحديث … وكأن الأمل يتحقق بطريقة عكسية عبر أحلام غريبة في عمق الظهيرة ، لا تنقصها إلا خيوط الشمس التي علقت في السماء كلجين متوهج يرسل التهيؤات في كل اتجاه وصوب ، تتجه إليه الأنظار دون أن تستقر على شكل أو هيأة تذكر ، أو تتحدد معالمها وتضبط ماهيتها ، وكأنها أشياء في طور الحدوث أو التلاشي ، وكأننا أمام لحظة تجمع بين إرهاصات البداية وخواتم النهاية . كل شيء يأخذ في التشكل هنا وهناك فيفتح لك شهية الفضول ويعطيك الأمل في فك شفرات ما يحدث ، لتجد نفسك أمام سراب تتلاشى معالمه أمام الأنظار ، فلا يفصح إلا عن مزيد من الغموض وحالات الشدوه والحيرة فيما يحول بين تأكيدالواقع وتحقيق الحلم ، في جدلية تكاد تبدو غريبة بعض الشيء بسبب نتائجها التي تفرض نفسها في في هذا الزمن الغريب بصورة عكسية تخرج عن نطاق المعقول والقواعد الضابطة لمبادئها ومرتكزاتها الأصلية والأصيلة ، كأن تنقلب المعايير ويؤخذ باعتماد كل شيء بنقيضه فيصبح النور ظلاما والعدل ظلما والجد ممقوتا والتفاهة سلطانا والفكر والثقافة في خدمة السذاجة والسخافة ، فيمحق الحق وتنسج حوله الأباطيل ، ويتفه العاقل ويكرم المعتوه ويسفه الجليل ويعز الرويبضة ويؤتمن الخائن ويخون الأمين ويصدق الكاذب ويتبع ، يمقت الصادق وينبذ الصائب ، ويحقر الكريم ويحترم اللئيم ، ويستعذب المر ويربى الحلو …كل هذا دليل على مدى التغير الكبير الذي أصاب النفوس ودليل على الفساد الكبير الذي نخر فيها عميقا وفساد في التصور الذي صرنا معه نرى بأم أعيننا الأبيض أسود ، والعكس صحيح ، والآتي لا يعلمه إلا الله ، لنحيد رويدا رويدا عن الطريق الصحيح الذي رسمه الله للإنسانية من خلال دستوره الذي نظم لنا فيه الحياة في حيثياتها وجزئياتها على تنوعها واختلافها ، كخارطة طريق نسير عليها ونهتدي بهديها ، بحيث لم يترك سبحانه وتعالى في كتابه المنزل من شيء إلا وذكره كما دبر الكون بدقة عالية وإعجاز في الإتقان دون نقص أو سهو أو توان…بقوله تعالى : ” وكل شيء فصلناه تفصيلا ” فالمفسدون يتدثرون بحلاوة اللسان وزخرفة القول بالباطل، ليخدعوا الناس، ويلبِّسوا عليهم بتغيير الحقيقة ونكران الواقع، وادِّعاء الرأفة والرحمة بالخلق ، ولقد زادت قدرتهم في الخداع، والتلبيس بتعدُّد الوسائل وتطورها وعلى سبيل المثال لا الحصر وسائل الإعلام المعاصرة التي أسهمت في تزييف الواقع وخداع الرأي العام. قال الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة . ألا يعد هذا الذي نتبناه ونقوم به من خداع فسادا ؟ فقد أصبح الخداع عملة الزمن بامتياز ، نقوم بتداوله فيما بيننا في كل لحظة ومكان ومع أي كان من المخلوقات ، بشرا كان أم شجرا أم حجرا أم طيرا ، بل حتى أنفسنا لم تسلم منا ومن صنيعنا. والبصير الفطِن يُدرِك حقيقة هذا التلبيس، ولا تنطلي عليه تلك الزخارف والألاعيب المكشوفة، كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [ محمد ]


Advertisement

وقس على ذلك بعض أصحاب الأهواء الدنيويّة ، الذين يرفعون رايات جاهليّة ، ويدعون إلى مبادئ ضالّة هدّامة ، ويتطلّبون التزعّم على الناس والرئاسة ، ليحق وصفهم وصفهم بالتفاهة والفسق والحقارة ، والذين هم ليسوا من طلاّب الحقّ ، ولا من ملتمسيه بصدق ، وَإِنّما هم من الأدعياء الكاذبين ، الذين لا تخفى أحوالهم على أدنى ذي بصيرة .. ولو زعموا أنّهم يدافعون عن الحقّ ، وينصرونه ..

إنّهم أئمّة الضلال ، ومن والاهم ، الذين ابتلينا بهم  ، وأتباع الأهواء والشهوات ، وقادة الضياع الفكريّ ، والانحراف السلوكيّ ، والفساد والإفساد الأخلاقيّ في الأرض ، يؤازرهم المنافقون المتشدّقون ، والجهلة بدين الله المغفّلون ، الذين قد يلبسون لباس العلم والهدى ، ولكنّهم يبيعون دينهم بأبخس عرض من الدنيا ، يستخدمون علمهم لتبرير الفساد ، والتماس الأعذار للسقوط والانحراف ، وخلط الحقّ بالباطل ، حتّى تضيع معالم الحلال والحرام ، والمعروف والمنكر ونسف القيم الأخلاقية وتبخيس قيمتها في نظر العامّة .. ويتصدّر هؤلاء ميادين العمل الاجتماعيّ ، والمسئوليّات الكبرى ، في الوقت الذي ينزوي الأخيار عن الساحة ، أو يفرض عليهم الإقصاء ، ويصبح أهل الحقّ قابضين على الجمر ، يُحارَبون من أقرب الناس إليهم ، ولا يجدون على الحقّ أعواناً .. وتنقطع الجسور بين أولي العلم والبصيرة بدين الله ، والغيرة على حرماته ، وبين هؤلاء من أولي الظلم والقهر ، الذين يمسكون بزمام الأمور ، فلا يبقى بينهم إلاّ التنازع والصراع ، الذي ربّما يخفت تارة ، ويتأجّج تارة أخرى ، وتكثر الخروق في سفينة المجتمع وتتّسع ، فلا يكاد أهل الحقّ يعالجون أمراً حتّى تفجأهم أمور .. و تمر الأمتان العربية والإسلامية بزمن تحوّل فيه الحوار العلميّ الذي كان لابد من الاستناد فيه إلى الدليل والبرهان بخصوص من يحاجّ بدين الله ، ومن يحاجّ بمنطق العقل لا ينفع معه إلاّ أن يحاجّ بمنطق مثله ، مع سموّ في لغة الخطاب ، وأدب في أسلوب الحوار .. أخذاً بالهدي الربّانيّ الكريم : {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .. ﭬ} [العنكبوت:46] لنشهد على زمن مقيت تأججت فيه معارك كلاميّة حامية الوطيس ، من التراشق بالتهم ، وإطلاق الألقاب ، والسخرية والاستهزاء ، فما جنت الأمتان معا من وراء ذلك إلاّ مزيداً من التفرّق والاختلاف ، وكانت فرصة ذهبيّة لأعداء العروبة والإسلام لتأجيج الخلاف وتعميقه ، والتسلّل إلى حصون الأمم وتخريبها من الداخل. وهكذا نتمكن وبصورة قدحية باعثة على السخرية مثيرة للاشمئزاز معبرة عن البلادة والسخافة أن نسمح في أصالتنا المجيدة المبنية على أسس مثينة وحضارة ثمينة ونتخلى عنها في سبيل مداعبة السراب الذي لن يجدينا نفعا أبدا أبدا … وللحديث بقية


Advertisement

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Advertisement